السبت، 25 أبريل 2020

تيهُ الفعل في الفراغ الضّيّق



  قراءة في قصيدة "نجمٌ شحيح الضّوء" للكاتب والشّاعر الأسير كميل أبو حنيش
مادونا عسكر/ لبنان
- النّص:
أدنو وأنأى عن تضاريسِي القريبةِ والبعيدةِ

كيف لي دربٌ أسيرُ عليهِ
في هذا الزمانِ الرخوِ
تغويني الدروبُ الأُخرياتُ فلا أُبالي
أنزوي خلفي
وأبحثُ فيِّ عن دربٍ قليلِ الخطوِ
عن جهةٍ تحُاصرُني وتملأنُي
إذا صارت جهاتي الستْ
يملؤها الخُواء .
*********
أرنو وأُغمض مقلتي فلا أرى بحراً أمامي
كي أشُقَّ مياهَهُ بعصا هيامي
أرتقي هذا الصعودَ
أنامُ مُكتظاً بحلمٍ ظل يغشاني طويلاً
ثم أغرقُ مُشرِعاً أملي
لعلي أقتفي أثر النسورِ الطائراتِ بحبلها نحو السماء .
**********
أسمو وأهبط في كِياني
ليس لي أُفقٌ أطيرُ إليه
كي أمضي عن الإسمنتِ والأبواب
من حولي فأغفو ثُمَّ أحلمُ
أن هويتي تغولُ لِقِّمةً منثورةً بالياسمينِ
فلا أعودُ لصخرتي في الهاوياتِ
ولا أكِرُّ إلى الهبوطِ أو الصعودِ
وينتهي عهدُ الشقاء
*****
أطفو وأرسو في مياهي
ليس لي أرضٌ تُسَّمِرُني
فأرنو للسماءِ
فينجلي نجمٌ شحيحُ الضوءِ في أُفقي المحاصَرِ
يستثيرُ عزيمتي ويحُثُني
كي أستقيمَ مواصلاً
درب السباحة للأمام وللوراء .
*************
أغفو وأصحو
باحثاً عن سلمٍ للإرتقاءِ لعالمي
والإ
الانعتاقُ من الدوائرِ والدهاليز
التي تُرخي سدولَ ظلامِها
في مُقلَتيَّ
وأحتفي متلمّساً
أثرَ الدروبِ المُفضياتِ إلى البهاء
- القراءة:
في لحظات التّيه الإنساني تضيق أعماق النّفس حدّ الإطباق على أنفاس الإنسان حتّى وإن كانت الأماكن رحيبة. وفي لحظات التّيه تجتمع الأضداد لا لتشكّل حالة الصّيرورة، وإنّما لتعبّر عن تخبّط قاسٍ وحركة محدّدة بالمكان والزّمان والأعماق الإنسانيّة، فلا يعود يختلف الدّاخل عن الخارج، ولا الظّاهر عن الباطن. كذلك هي حالة الشّاعر الّتي تترجمها الأضداد دلالة على حركة مشلولة في فراغ ضيّق، إلّا أنّه فراغ يبعث على مواجهة الذّات:
أدنو وانأى عن تضاريسِي القريبةِ والبعيدةِ
كيف لي دربٌ أسيرُ عليهِ
في هذا الزمانِ الرخوِ
تدلّ هذه الافتتاحيّة على الأنا المسجونة في اللّاحركة حتّى وإن استخدم الشّاعر الفعلين المتضادّين (أدنو وأنأى) رابطاً إيّاهما بالتّضاريس القريبة والبعيدة. فهو لم يستخدمهما إلّا كحالة شعوريّة وقد غاب عنه الدّرب والسّبيل إلى الدّنوّ أو الابتعاد. فالفعلان لا يعبّران عن فعل إراديّ كما سائر الأفعال في النّصّ بل إنّ الأفعال في النّصّ شابهت المقاومة للواقع، لكنّها مقاومة تعارضها الحركة الجسديّة والنّفسيّة. يقاوم الشّاعر بالحالة الشّعوريّة المحاصرة بزمان يسيل دون قدرة على السّيطرة عليه. يقاوم بالأضداد الّتي تراوح مكانها  في كيانه دون أن تخلق حركة انتقال (من إلى). فهو يدنو ويبتعد، يرنو ويغمض، يسمو ويهبط، يطفو ويرسو، يغفو ويصحو، في آن. والدّرب المفقود دليل على تيه قاحل في صحراء قاحلة، يرجو الخلاص الخارج عن الزّمان والمكان.
يبحث الشّاعر عن درب سابع أو جهة سابعة، إشارة إلى الخروج من نطاق الوجود ككلّ، إذا استدللنا على حالة النّقص في العدد (السّت) وحالة الكمال في العدد (سبعة). ولا ريب أنّ الشّاعر يرى في الجهة السّابعة امتلاء وحركة بسيطة (درب قليل الخطو) تمكّنه من الولوج في عمق أعماقه. فالشّاعر المتعب أو المحاصر أو الزّمن المتاح أو الآتي لا يسمح بخطوات كثيرة لبلوغ المبتغى. وكأنّي به لم يعد يملك إلّا ذلك المكان القصيّ في أناه حيث لا حركة ولا سمع ولا كلام ولا حسّ (أنزوي خلفي). هو المكان الكامن في داخل الأنا غير المعروفة بالنّسبة للشّاعر لذلك ينزوي خلف ذاته.
لعلّ تيه الشّاعر بلغ ما بلغ من حدّ عدم التّعرّف على ذاته أو على الأنا الحقيقيّة، وبالانزواء في ركن بعيد عنه/ عنها يستشف الجهة الّتي ستملؤه وتعيده إلى ذاته. إلّا أنّ هذه الجهة تحتاج إلى معجزة كما تصوّر لنا حالة العجز الّتي يصفها لنا الشّاعر في القسم الثّاني من القصيدة. (أرنو وأُغمض مقلتي فلا أرى بحراً أمامي/ كي أشُقَّ مياهَهُ بعصا هيامي). وتظهر الحاجة إلى المعجزة من خلال  التّناص مع الآية القرآنيّة في سورة الشّعراء "فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ"،  لكنّ موسى كان يرى البحر أمامه ويعتمد على الوحي الإلهيّ وعلى العصا كرمز للقدرة الإلهيّة. لكنّ الشّاعر يفتقد إلى هذه العناصر، فكيف سيكون الخلاص؟ 
أمل الشّاعر حلم يمتلكه ولا يملك سواه. ولحلم الشّاعر دلالة الحرّيّة المرجوّة، الحرّيّة من المكان والأنا والزّمان. يغرق فيه على أمل أن يتحرّر من الوجود (ثم أغرقُ مُشرِعاً أملي/ لعلي أقتفي أثر النسورِ الطائراتِ بحبلها نحو السماء) أو لعلّه يريد أن يتحرّر فينظر إلى الوجود من علٍ  فيتحرّر من أضداده. وهو الّذي لا يملك أفقاً يطير إليه ولا أرضاً تسمّره يتخبّط في شقاء هذا الفراغ ويرنو إلى السّماء الرّحبة المحررة حيث ضوء شحيح يحوّل التّضاد من تخبّط إلى حركة انتقال من حالة إلى أخرى. من حالة النّوم إلى حالة الصّحو، من الأسر إلى الحرّيّة، من الفراغ إلى الامتلاء، من الموت إلى الحياة والحركة الدّيناميكيّة. وذاك الّضوء الشّحيح يعزّز قدرة الشّاعر على المقاومة ويثبّت عزيمته ويستخرج من عمقه بهاء الأنا الحيّة. أو لعلّه أسكت الصّوت الّذي يردّد في داخله عدم قدرته على المقاومة، وقاوم بالشّعر ليصمت الصّوت إلى حين، ويحتفي بالدّروب المفضيات إلى البهاء.


الجمعة، 10 أبريل 2020

أربع شمعات تزهر في ذات اللهب



مادونا عسكر/ لبنان
(1)
الرّيح شديدة هذه اللّيلة
يعوزها أن
تخترق ذرّات الكون
لتعيد ترتيب فوضى الملائكة
وأنتَ الجالسُ هناك
في ظلّ مرآتكَ السّاكنة
تبتسمُ
وتُهدي العالم عصارة النّور
حتّى لا يظلم النّدى
ما تبقّى من ورود...
(2)
لا قصيدة
إلّا
تلك السّالكة في نوره
يشرقُ على الكونِ
كلمةً
أودعها الإله في يده
مسكون بالمسكوت عنه
إلى حين....
وبعد حين،
تصمت اللّغة
ويبلّغ هو...
(3)
على صدرِهِ يتّكِئ الكون
ويهذي
صامتٌ هو،
كقيثارة تبخّرت أوتارها
فغنّت نشيد الإله المجهول
حيّ هو الحبّ الّذي يضمّخ شعلتي
مجهولةٌ أنا
كما هو
اثنان على درب المشيئة الواحدة
يترقّبان روحاً تفلّت من رحم الأرض
باحثاً عن القصيدة الأمّ
في قُبلة السّماء..
(4)
الجبل يبكي،
صغار الأودية تستر وجهها
هَبْ أنْ
تزهر الأرض ثلجاً
تراءَى
للكونِ بسمة
البيادر جائعة
والهواء غصّت أنفاسهُ

الجمعة، 3 أبريل 2020

الفخّ السّرديّ وانفلات القيمة الفكريّة



قراءة في رواية "برهان العسل" للكاتبة السّوريّة سلوى النّعيمي
مادونا عسكر/ لبنان
تقول سلوى النّعيمي في ما يخصّ رواية "برهان العسل":  "لم يكن هدفي كتابة رواية فضائحيّة أو مبتذلة، بل اختبار العلاقة مع قارئ حقيقي." إلّا أنّ الهدف الحقيقيّ من الرّواية لم يظهر، بغضّ النّظر عمّا إذا كان بالإمكان تصنيف هذا الكتاب كرواية أم لا. أرادت الكاتبة اختبار العلاقة مع قارئ حقيقيّ على حدّ قولها، ولعلّها بذلك استندت إلى أن يتلمّس القارئ/ة، ربّما، بحثها في التّراث العربي والإسلامي، تحديداً كتب الباه، أي الكتب  ذات الثّقافة الجنسيّة بين القرن السّابع والقرن الخامس عشر. وقد أوحت الكاتبة بذلك لقرّائها في هذا الكتاب إلّا أنّه لم يأتِ على مستوى البحث الجدّيّ، ولم يطرح فكراً خاصّاً، ولم يرتقِ إلى المستوى الأدبيّ المطلوب.
قسّمت الكاتبة روايتها إلى عشرة أبواب حملت عناوين تحيلُ إلى التّراث العربيّ والإسلاميّ. لكنّ مضمون الأقسام أتى سرداً عن مغامرات فتاة اكتشفت جسدها من خلال علاقاتها الجنسيّة المتعدّدة عن قناعة بأنّ معرفة الجنس مرتبطة بالتّعلّم لا بالنّظريّة وحسب. وإن تضمّنت الأقسام مقاطع من التّراث إلّا أنّها خلت من البحث الجدّيّ حول هذا الجزء من التّراث بل وكأنّ الكاتبة أسقطت هذه النّصوص على مضمون الرّواية لتبرّر علاقات بطلتها الجنسيّة المتعدّدة. ولو كان بحثاً جدّيّاً لعادت الكاتبة إلى تلك الكتب من حيث إطارها الثّقافيّ والتّاريخيّ مقاربة إيّاه والواقع الحاليّ.
 قدّمت الكاتبة بطلة روايتها  كشخصيّة تستند إلى جزء من التّراث لتعزّز قناعاتها الجنسيّة.  وبدت شخصيّة شبقيّة. (هناك من يستحضر الأرواح، أنا أستحضر الأجساد. لا أعرف روحي ولا أرواح الآخرين، أعرف جسدي وأجسادهم// أستحضرهم وأعود إلى حكاياتي معهم عابرين في جسد عابر...)  وربّما بدت  جاهلة، ولست أدري إن كانت الكاتبة قد تعمّدت ذلك أم أنّ هذا الجهل سقط سهواً. فالبطلة تلقّب رجلاً لا تريد منه إلّا ساعات مسروقة في أماكن مغلقة بالمفكّر لمجرّد أنّه يعرض عليها أفكاره الجنسيّة. أو تستنتج في مكان آخر أنّ كلّ امرأة هي محصّلة الرّجال الّذين مرّوا في حياتها. ما يعبّر عن انحطاط  فكريّ وثقافيّ يحدّد كيان المرأة في إطار غرائزيّ حيوانيّ.
لو كان المراد من الرّواية بحثاً أو طرحاً فكريّاً يهدف إلى تسليط الضّوء على أهمّيّة الجنس  كعالم خاصّ وحميميّ بين رجل وامرأة، أو لو أنّ الرّواية أتت كدعوة للتّحرّر لخلقت الكاتبة شخصيّة أكثر رصانة واتّزاناً معتمدة على شخصيّة متحرّرة فكريّاً ونفسيّاً، لا على شخصيّة قاربت الهوس الجنسيّ. وإذا كان تناول الكاتبات لموضوع الجنس يُعتبر جرأة فالجرأة ليست بطرح الموضوع واستخدام العبارات المرتبطة بالجنس. وإنّما الجرأة تكمن في تناوله فكريّاً وعلائقيّاً ومجتمعيّاً . فمن السّهل سرد مغامرات عاطفيّة جنسيّة بحجّة التّحرّر وكسر التّابوهات، إلّا أنّه من العسير الغوص في هذا الموضوع تحديداً والإحاطة بكلّ جوانبه.
تناولت الكاتبة موضوع الجنس تناولاً هشّاً اقتصر على ثرثرات نساء (صديقات البطلة) والنّكات الخاصّة بالرّجال. كما ارتكز على النّاحية الغرائزيّة وحسب، فبدا حيوانيّاً أو آليّاً محوّلةً إيّاه إلى سجن. فأين الجرأة في الموضوع؟ وأين التّحرّر؟ هل في جعل الإنسان والمرأة تحديداً حيواناً تحرّكه الغريزة؟ بل إنّ الكاتبة أخرجت الجنس من إطاره العلائقي المرتبط بالحبّ حينما قالت: "ما يهمني هو رغبتي أنا. رغبتي النّادرة".  
تطرّقت الكاتبة بشكل سطحيّ إلى نقاط عدّة في الرّواية كازدواجيّة المجتمع العربيّ الّذي يظهر عكس ما يخفي. وتلمّح  إلى مجتمع لا يعلّم أبناءه وبناته شيئاً عن الجنس: "أنا لم يعلّمني أحد. لا أمّي ولا أبي، ولا أختي الكبيرة. لم يشرح لي أحد. تربيتي الجنسيّة النّظريّة جاءت من الكتب والأفلام والحكايات ومراقبة النّساء والرّجال من حولي..."، وقد يمكن اعتبار هذه النّقطة إيجابيّة من حيث  البناء العلائقيّ السّليم بين الأهل وأبنائهم وبناتهم فيحمونهم من الأفكار الخاطئة. لكنّ ما تطرّقت إليه الكاتبة لم يبرز بالعمق المطلوب، ولم يناقش في الرّواية، وإنّما اقتصر على سرد أحداث سطحيّة ومغامرات جنسيّة استندت معرفيّاً إلى التّراث أو بعض منه بشكل سطحيّ.
الكتابة فنّ ودهشة تستفزّ العقل وتنحت الرّوح. ولا ريب في أنّ الكتابة تعبير عن الذّات إلّا أنّه لا يمكنها الوقوف عند هذه النّقطة، بل ينبغي أن تتخطّاها للتّعبير عن القارئ والبحث في عمقه واستخراج مكنونه. كتابة لا تزلزل القارئ وتحرّك عقله وتخلق في داخله السؤال والحيرة، كتابة لا تحترم القارئ. وإلّا فلماذا نكتب؟ ولا بدّ من لفت النّظر إلى أنّ ثمّة فرقا شاسعا بين التّعبير عن الذّات وتفجير الكبت في الكتابة. فغالباً ما يأخذ الموضوع الجنسيّ عند بعض الكاتبات طابع تفجير الكبت ومحاسبة المجتمع بل تحدّيه بدل أن يتّسم بالفكر والعمق ليقدّمن للقارئ نموذجاً ثقافيّاً قيّماً.
قد تمرّ بهذه الرّواية مراهقة كبطلة الرّواية  الّتي اقتصرت ثقافتها على مجلّات وأفلام وثرثرات نساء. وقد لا تجيد غالب الظّنّ تقييم أو نقد ما تقرأ فتغرق في دوّامة التّحرّر الزّائف والمعلومات الجاهزة دون أن تتلمّس خيوط المعرفة، أو ما كانت تودّ في عمقها البحث عنه ولم تجده في محيطها الأسريّ، فيخيب ظنّها، فالرّواية فن أعظم من أن يتوقّف عند السّرد المجرد من أهداف الحياة صغيرة وكبيرة.