الثلاثاء، 20 يونيو 2017

سؤال الفلسفة المفتوح على اللانهائيّ/ قراءة في نصّ "شرعيّةُ الفجْأَةِ والماء" للشّاعر فراس حج محمد

مادونا عسكر/ لبنان



- أوّلاً: النّصّ

شرعيّةُ الفجْأَةِ والماء
فجأةً نولدُ… نلتقي
ونرحلُ فجأةْ
مسكونٌ بالفجأةِ هذا الوقتْ
لحظةُ ما بيننا مشحونةٌ بالدّهشةْ
زمنٌ يتفتّت في الدّمْ
أسودَ
أبيضَ
يُنْسَلُ من عدمْ
نَحْنُ المخلوقاتُ اللّا مرئيّةْ
نطفةً تسبحُ في الماءْ
تحيا بالماءْ
تعلو بالماء
تدنو بالماء
تدخلُ بالماءْ
تخرجُ بالماءْ
وتسكنُ في جنب الغيمةِ تُروى بالماءِ
وبالفجأةْ
نحن اللّا شرعيّون بغيرِ الفجأةْ!

- ثانياً: القراءة
بقدر ما أتى هذا النّصّ الشّعري لحظة متفجّرة من أعماق الشّاعر الفكريّة والرّوحيّة، مثيرة للتّساؤل الوجوديّ، تجلّت خارجة عنه من حيث طرح إشكاليّة الحياة والموت. إلّا أنّ الشّاعر استنطق اللّحظة ساكباً إيّاها في قالب شعريّ لطيف تماهى ونقاوة الماء كعنصر حيويّ أصيل باعث للحياة. من جهة أخرى تشكّلت هذه القصيدة المائيّة متداخلة مع عامل الوقت والفجأة. بيد أنّ الشّاعر فصل بينهما ليمنح الوقت معنى كونيّاً وجوديّاً، كدلالة على امتداد الخلق من البداية إلى النّهاية. وبرز عنصر الفجأة دخيلاً على الوقت، أو على السّياق الزّمنيّ الطّبيعيّ ليربك الحركة الإنسانيّة ويعطّل طموحها وأهدافها. بل إنّ عنصر الفجأة أتى مخالفاً للحرّيّة الإنسانية، فالشّاعر عبّر في السّطور الأولى عن لا قرار وجوديّ:
فجأةً نولدُ… نلتقي
ونرحلُ فجأةْ.
وهنا يبدو للقارئ أنّ الشّاعر ميّال إلى التّعبير عن قلق معرفيّ وجوديّ، يطرح تساؤلاً ليس بجديد. لكنّ الجديد بروز صوتين في هذا النّصّ، صوت الشّاعر وصوت إنسان الشّاعر. فالشّاعر في عالمه الخاص المرتقي يخضع لعنصر الفجأة من ناحية ولادة الفكرة الشّعريّة وحلولها في نفسه. وأمّا إنسان الشّاعر فيتأمّل سرّ الوجود ويتساءل، ويدعو القارئ للتّساؤل معه، مستفزّاً قلقه وتأمّله. (مسكونٌ بالفجأةِ هذا الوقتْ).
الشّاعر ذاته مسكون بالفجأة متماه معها، ويعوزه حضورها الفعّال، إلّا أنّ إنسانه يرفضها كعامل يغتال الوقت ويعطّل مساره الطّبيعيّ وقد يشكّل هذا العالم عدوّاً لإنسان الشّاعر. فالفرق بين الفجأة الشّعريّة والفجأة كلحظة مربكة للوجود الإنسانيّ أنّ الأولى أصيلة في عالم الشّعر وأمّا الثّانية فدخيلة مربكة تؤسّس لوجود الحياة وحضور الموت لا إراديّاً.
وهنا يكمن الصّراع بين الشّاعر والإنسان. فمن ناحية يطرح إشكاليّة اللّحظة الفجأة المعطّلة، ومن ناحية أخرى يحتاجها (لحظةُ ما بيننا مشحونةٌ بالدّهشةْ). قد لا يكون الشّاعر قد استخدم لفظ الدّهشة بمعناه الإيجابيّ إذا ما تشكّلت هذه الدّهشة كعنصر يعبّر عن كيفيّة حصول أمر ما. إنّما تعبّر الدّهشة ضمناً عن تأمّل عميق في سرّ الوجود الشّعريّ والإنسانيّ معاً ترمز إليه عدميّة الوقت/ الزّمن/ الحياة. كأنّ الشّاعر يريد إعادة صياغة التّكوين الآتي من العدم، من اللّاشيء ويمنحه طابعاً آخر، بل يبحث في دواخله عن أصول الوجود:
زمنٌ يتفتّت في الدّمْ
أسودَ
أبيضَ
يُنْسَلُ من عدمْ
يمنح الشّاعر العدم معنى فلسفيّاً آخر رابطاً إيّاه بعنصر الماء كدلالة حياتيّة حركيّة حيويّة.
نَحْنُ المخلوقاتُ اللّا مرئيّةْ
نطفةً تسبحُ في الماءْ
تحيا بالماءْ
تعلو بالماء
تدنو بالماء
تدخلُ بالماءْ
تخرجُ بالماءْ
وتسكنُ في جنب الغيمةِ تُروى بالماءِ
وبالفجأةْ
سيأخذ العدم في هذه السّطور معنى الحياة أو الحبّ. فالإنسان لم يأتِ من عدمٍ/ لا شيء كما هو مزعوم. وإلّا فقد الوجود الإنسانيّ الحرّيّة بالكامل. ولعلّ دلالة الماء في هذه القصيدة رمزت للحبّ الّذي أوجد الإنسان وهيّأ له الحياة، ويعود ليستقبله في ولادة النّهايات (وتسكنُ في جنب الغيمةِ تُروى بالماءِ). وبهذه الرّمزيّة يولي الشّاعر الماء أهميّة عظمى تؤكّد أنّ الوجود مصدره الحبّ وسيخلص إليه. وما تدرّج القصيدة المائيّة من خلال الأفعال (تسبح/ تحيا/ تعلو/ تدنو/ تدخل/ تخرج/ تسكن) إلّا رحلة الإنسانيّة من الحبّ وإليه. فلو كان الشّاعر مقتنعاً بالعدم كدلالة على اللّاشيء، لما أتى النّص تصاعديّاً ولما استخدم الماء بهذا التّكثيف الّذي أسّس للحياة ويهيّئ للموت كفعل انتقال واكتمال للحياة. وسيكتمل المعنى الكامن في قلب الشّاعر إذا ما دقّق القارئ في عبارة (نَحْنُ المخلوقاتُ اللّا مرئيّةْ).
وأمّا نحن المرئيّون حسّيّاً وماديّاً فلا مرئيّون من ناحية إنسانيّتنا الحقيقيّة. فما يُرى بحسب الشّاعر ليس سوى هيكلٍ يؤكّد الحضور الإنسانيّ وأمّا الأصل فلا مرئيّ داخليّ، يكمن في العمق حيث الحركة الحقيقيّة والحياة الفاعلة الخالدة. وسيتأطّر المعنى أكثر في اللّحظة الشّعريّة الحاسمة، حين ينتصر الشّاعر على الإنسان، وتغلب الحرّيّة القلق الإنسانيّ الوجوديّ (نحن اللّا شرعيّون بغيرِ الفجأةْ!).


بين (شرعيّةُ الفجْأَةِ والماء) كعنوان شمل الطّرح الفلسفيّ الشّعريّ العميق، متجذّراً في حقيقة الوجود وخضوعه للمفاجآت واللا إراديّة غالباً، و(نحن اللّا شرعيّون بغيرِ الفجأةْ!) يتفلّت الشّاعر من العدم والقلق، ليعلن حرّيّته الوجوديّة ومعرفته لها، ويقينه بأنّه يُخضع الفجأة لإرادته لا العكس. فالشّرعيّ أي الطبيعيّ أن يخضع الإنسان ويقبل لأمور شتّى قد لا يقوى على السّيطرة عليها. وأمّا اللّا شرعيّ فهو الحرّ الّذي يتعامل مع الوجود كفعل حبّ حرّ لا يخيفه شيء ولا يتحكّم به شيء.


الأحد، 28 مايو 2017

الرُّؤيا الشّعريّة والعودة إلى العدم المحرَّر/ قراءة في قصيدة للشّاعر الفلسطيني الدّكتور إبراهيم أبو هشهش

مادونا عسكر/ لبنان


- أوّلاً: النّصّ
 لا أُحبُّ الذّهاب إلى الموت يوم الأحدْ
لا أحبّ الذّهاب
لو أتيتَ معي
لَمَضَيْنا إلى النّهرِ..
ثم انتظرنا هنالكَ..
حيثُ يسيلُ الأبدْ
وحيثُ النّساءُ يجرّرْنَ خيباتِهنّ الطّويلةَ كالظّلْ
وحيثُ الضّبابُ يجيءُ من الغربِ
حيثُ السّديمْ
وحيثُ من الغابةِ الجبليّةِ يأتي العُواءُ العظيمْ
لو أتيتَ معي
لرأيتَ المدينةَ تجري إلى مُسْتَقرٍ لها
والجبالَ تعودُ إلى أمّها
والمدى يَضْمَحِلْ
والفراغَ يُطأْطِئُ فوق التّلالِ..
ويُطرِقُ كالصّلْ
لو أتيت معي
 لو أتيت.
ابراهيم  هشهش- فرايبورغ 1987
مُطْرِقٌ ينفثُ سُمّاً مثلما  أطْرَقَ أفعىً ينفثُ السمَّ صِلُّ (الشنفرى)

-  ثانياً: القراءة
في لحظة تجلٍّ شعريّ نادرة لا يدركها إلّا الشّعراء، يقبض الشّاعر الدّكتور إبراهيم أبو هشهش على لحظات انكشاف لما قبل التّكوين. ومن العسير المضيّ في هذا النّص الشّعريّ دون تلمّس الإبداع الرؤيويّ وفهم الإشارات والدّلائل الّتي بُنيَ عليها النّصّ الّذي يعبّر عن حالة رؤيويّة خاصّة.
بُنيَ هذا النّصّ الشّعريّ على اتّجاهين متناقضين، الحياة والموت. ولئن كان النّص حالة رؤيويّة امتزج الموت بالحياة في مكان ما من النّص ثم تفرّقا أو فرّقهما الشّاعر عمداً، لتتجلّى الرّؤيا كاملة. (لا أُحبُّ الذّهاب إلى الموت يوم الأحدْ)
اختلطت قدسيّة يوم الأحد بالموت. الأحد/ يوم الرّبّ- القيامة، مزجه الشّاعر  بالموت إذا ما ارتبط بعدم حضور الآخر (لا أحبّ الذّهاب/ لو أتيتَ معي...). فالأحد، وعلى الرّغم ممّا يمثّل من قدسيّة الحياة الجديدة، إلّا أنّه يعتمد بحسب الشّاعر على حضور يبعث الحياة الأولى الكائنة ما قبل الوجود، أو الحاضرة في إشارات ما قبل التّكوين. تكمن قدسيّة الأحد في المقلب الآخر، في دائرة الانتظار ليرتسم الشّوق إلى لحظة الأبد.
لا يمسك الشّاعر بالرّؤيا تماماً، أم إنّها ليست قائمة بالفعل لأنّه بامتناع الحضور تبقى الرُّؤْيَا قائمة بالقوّة حتّى يُجاز الحضور فتمسي رؤيا بالفعل. لكنّ الامتناع عن الحضور متعلّق كذلك بالموت، أو بالحالة الانتظاريّة للنّهوض من الموت، والانطلاق منه بطريقة عكسيّة.
(لو أتيتَ معي
لَمَضَيْنا إلى النّهرِ..
ثم انتظرْنا هنالكَ..)

ستكوّن الحالة الانتظاريّة ملامح الرّؤيا لتتيح للقارئ التأمّل في العودة مع الشّاعر تدريجيّاً من الوجود إلى الحياة الحقيقيّة/ العالم السّماويّ، أو "العدم المحرّر"، كما يسمّيه أنسي الحاج، "مكان تُسمع فيه الرّوح أكثر". وبالتّالي فالشّاعر يمضي عكس النّظام الكونيّ، ساعياً للدّخول في قلب الرّؤيا حتّى يتحرّر. فينتفي الموت (لا أحبّ)، وتمسي إمكانيّة الحضور (لو أتيت) استحالة غياب (ثم انتظرْنا هنالكَ..).
تتشكّل الحالة الانتظاريّة عكسيّاً، وتفتح آفاقاً على الأبد الّذي يسيل، أي الّذي لا يحجزه ولا يردعه شيء. وبطبيعة الحال تكمن الحياة في الأبد، لأنّه ليس جماداً، وإنّما حركة ديناميكيّة فاعلة (حيثُ يسيلُ الأبدْ). وما السّيلان إلّا دلالة على هذه  الحركيّة الّتي لا تتوقّف ولا يعقبها الموت. وإنّما هي حركة مستديمة أبديّة دلّ عليها النّهر كرمز للخصب وتدفّق الحياة.
تتحدّد النّزعة الرّؤيويّة أكثر حينما يُدخل الشّاعر عنصر الضّباب الآتي من الغرب/ البحر، ليعلن عن غموض الرّؤيا أو سرّها بالمعنى القدسيّ لكلمة سرّ، الدّاعي للاكتشاف والتّأمّل. (وحيثُ الضّبابُ يجيءُ من الغربِ). أو بمعنى آخر ممكن، اجتذاب الأبد للكون ليعيده إلى مكانته الأولى ما قبل اللحظة التّكوينيّة. قد يشير السّديم إلى هذا الأمر، إلّا أنّه ممّا لا ريب فيه أنّ الشّاعر حرص على إبراز العناصر الكونيّة (النّهر/ الضّباب/ السّديم) لتعزيز الفكرة الأساسيّة المتجليّة بالرّؤية الماضية من الموت إلى الحياة. وإذا أشارت عبارة (الغابة الجبليّة) إلى حضور القوّة الخالقة فسيتداخل هذا العنصر مع النّهر كدلالة على  تدفّق الحياة والضّباب كدلالة على السّرّ ليشير إلى حضور القوّة الخالقة الّتي تعلن بداية النّهاية (العواء العظيم).
ينتقل الشّاعر من الرّؤيا بالقوّة إلى الرّؤيا بالفعل ويعتمد تناصاً مع النّص القرآنيّ (سورة ياسين/ 36) "وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ"، فتنكشف الرّؤيا أكثر ويدخل الشّاعر في تفاصيلها ويتدرّج بالانفصال عن الزّمان والمكان. ويحدّد الفعل (رأيت) معاينة لحظات العودة إلى خواتم الوجود، بل ولادتها الجديدة. (لرأيتَ المدينةَ تجري إلى مُسْتَقرٍ لها). هي نقطة اللّاعودة إلى ما قبل (ليكن.. فكان)، إلى العدم المحرّر. ويمسك الشّاعر باللّحظة الفاصلة بين الخلق والعدم (والفراغَ يُطأْطِئُ فوق التّلالِ..). وستعبّر الملاحظة الختمايّة "مُطْرِقٌ ينفثُ سُمّاً مثلما  أطْرَقَ أفعىً ينفثُ السمَّ صِلُّ" (الشنفرى) عن شركة مع السّطر الأوّل من القصيدة (لا أُحبُّ الذّهاب إلى الموت يوم الأحدْ) لتعبّر عن عدم الّذهاب إلى الموت بدل عدم الرّغبة في الذّهاب. فالشّاعر الّذي يرجو حضور الآخر الّذي يخاطبه في القصيدة، والّذي سيحضر. لأنّ هذا الآخر هو الشّاعر نفسه الّذي يطرق مستعدّاً لمجد القيامة.


بهذا النّصّ يدخل الشّاعر عالماً حافلاً بالإشارات السّيميائيّة، الّتي تجعل النّصّ نصّاً مكثّفاً مكتنزاً بالمعنى، يدفع شاعره نحو المزيد وليس التّوقّف عن الفعل الشّعري المختلف والحقيقيّ، فكيف لمثل هذا الجمال أن يصمت؟

السبت، 6 مايو 2017

كان ما سيكون


مادونا عسكر/ لبنان



-١-
ماذا سنكون بعد؟
تحفر الدّهور رسوماتها في كفّكَ
أمضي
ولا أرى
أتكلّم
ولا قول عندي
ماذا سنكون بعد؟
لن نكون
لن نرى
لن نقول...
أطبق كفّكَ
تتسرّب الرّؤى إلى ما كان
غمر عشق
شاءَ
فكان ما سيكون....


-٢-
انتظار شريد وردةٍ
أفسِح لي مكاناً عن يمينكَ
وارخِ على أهدابكَ دمعتي
أغصان الكونِ
بين يديكَ
تنحني لها الرّيحُ
إذا ما عبرت خلسةً
أمام ناظريْكَ
أين منّي لحظة شتاتٍ
تروي مقاعد فارغة في رحاب السّماء
أين منكَ كلمةً
أشعلت انتظاري
فأحيت وردة غافية في ظلّ انتظاركَ


-٣-
صادقٌ هو الخوف
يُنبئ بانحناءاتٍ
من زمن التّكوين الأوّل
من روحانيّة الانبعاثات...
برهة وقتٍ
تتفلّتْ
أعِد ليَ زماناً
قادني إليكَ حبّاً
تمرّسَ بالخوف
والوقت
أرِح عينيكَ في منازلَ
شيّدَها الهواء
لمّا طاف في الأرض تعِباً
خٌذِ الوقت والخوف
وامنح برْديَ لهفة شمعةٍ
صمتتْ فاتّقدَتْ