الأربعاء، 8 فبراير 2017

ضدّ الطّائفيّة


مادونا عسكر/ لبنان
ما أسهل أن تتسرّبَ إلى قوم ينهشهم الفكر الطّائفيّ، وتعشّش فيهم الذّهنيّة الطّائفيّة والقبليّة. وما أيسر أن تحرّك شعباً وتبرمج عقله وردّات فعله، في حال كان قد تربّى على أنّ الطّائفة تحدّد قيمته الإنسانيّة. فالذّهنيّة الطّائفيّة المنبثقة من الذّهنيّة القبليّة المتقوقعة والمنغلقة على ذاتها، إذا ما استحكمت بالفكر الإنساني والرّوح الإنسانيّة، غذّت في ذات الإنسان الخوف من التّحرّر من المذهب والطّائفة، وسجنته في دائرة الانغلاق العقليّ والفكريّ، فيصبح رهينة فكرها وقرارها.
قد يعتقد غالب النّاس أنّ التّخلّي عن الطّائفة أو عن الفكر الطّائفي هو التّخلّي عن الدّين أو الإيمان، وبذلك يكون قد اعترف من حيث لا يدري أنّه لا يفقه جيّداً هدف الدّين ورسالته الإنسانيّة، بل يعبّر عن إيمان هشّ وغير واعٍ، يرتكز على شعارات متوارثة ونظريّات متناقلة دون وعي كافٍ لإدراك مغزاها العميق والّذي من المفترض أن يواكب الإنسان في مسيرته الحياتيّة. كما أنّه يحفظ صمّاً كلمات ويردّدها متنازلاً عن البحث الجدّيّ والعميق في معانيها المتجدّدة.
من هنا وجب تحديد الفرق بين الدّين والطّائفة، وبالتّالي بين العقيدة الدّينيّة والمفاهيم الطّائفيّة الّتي تبلورت عبر السّنين، وقد يكون جوهرها واحداً واختلافها ظاهريّاً من خلال الممارسات والطّقوس، كما قد يكون الاختلاف في الجوهر والظّاهر معاً.
الدّين هو منظومة اجتماعيّة تشكّلت بحسب خبرة الإنسان في اكتشافه لله خلال مسيرته الإنسانيّة. وبغض النّظر عن مفهوم الله في كلّ ديانة وبغض النّظر عن كون الدّين رسالة منزلة أو صياغة بشريّة إلهيّة بمعنى أنّ الله والإنسان معاً خطّا هذه الرّسالة، لا بدّ من إجماع على أنّ الدّين رسالة إنسانيّة  تحمل الكثير من القيم الإنسانيّة والسّماويّة ، كما أنّها في خدمة الإنسان لتساعده على بلوغ نموّه الإنسانيّ الكامل، على المستوى الجسديّ والرّوحيّ والنّفسيّ.
أمّا الطّائفة فليست أصيلة في هذه الرّسالة، وإنّما دخيلة عليها، نتيجة للصّراعات الشّخصيّة والبعيدة كلّ البعد عن الأسس الدّينيّة، كما أنّها نتيجة للتّجاذبات على السّلطة والتّحكّم بالرّأي والاستفراد بفهم القيم الدّينيّة، واحتكار الحقّ.
إن عدنا إلى تاريخ الانشقاقات داخل الأديان فسوف يتجلّى لنا بوضوح أنّ الاختلافات اللّفظيّة أو الفهميّة، وبالتّالي احتكار الشّرح للنّصوص الدّينيّة،  كذلك استخدام الدّين لمآرب شخصيّة، أدّت إلى نشأة الطّوائف الّتي يمكن اعتبارها أيضاً حصيلة انغلاق جماعة على نفسها داخل الدّين الواحد لإثبات وجودها الفكريّ، وفرض نفسها كمصدر أوّل ووحيد للعقيدة الجوهريّة. إلّا أنّ هذه الصّراعات والنّزاعات أدّت الى اقتتال داخل الدّين الواحد، وسبّبت قطيعة لسنين عديدة بين أبناء الإيمان الواحد. وبالتّالي خلقت تحزّبات واصطفافات أساءت إلى جوهر الأديان، بل أساءت إلى اللّه نفسه. فعندما يستخدم الإنسان إيمانه ودينه كسلاح ضدّ أخيه الإنسان، ويستبيح لنفسه تكفيره أو الدّعوة لقتله،  فهو من حيث يدري أو لا يدري يهين الله.
ولمّا كانت الاصطفافات والتّحزّبات تحفّز التّحجّر الفكريّ، وتقلّص من قدرة العقل على الانفتاح وتقبّل الآخر، ولمّا كانت الصّراعات توقد نار الحقد والكره، فلا بدّ من حدوث انشطار في هيكليّة الدّين، ممّا يفقده قيمته الجوهريّة ومعنى رسالته السّامية الّتي هي التّحاب والإخاء وبناء علاقة أفقيّة عموديّة، بين الله والإنسان.
ولمّا كان أبناء الدّين الواحد يشكّلون جسماً إيمانيّاً واحداً، فلا بدّ من أنّ هذا النّزاع والقتال شطر هذا الجسم لعدّة أقسام. ومن هنا نرى تعدّد الطّوائف وتشعّبها. ولأنّ الطّائفة أتت نتيجة لأزمة، فبالتّالي سيؤدّي الالتزام بها إلى تعصّب وتشدّد فكريّ غير متسامح وبعيد كلّ البعد عن الإيمان الحقيقيّ، الّذي هو علاقة أفقيّة عموديّة مع الله والإنسان.
إنّ التّفكير الطّائفيّ ليس مرتبطاً بالإيمان وإنّما بصراع البقاء للأقوى، والحجّة المستخدمة هي الإيمان. فالإيمان الحرّ والواعي لا يدخل هذا الصّراع ولا يرتبط به، بل هو مرتبط بالفكر الحرّ الّذي لا يخاف من الزّوال وذلك لقدرته على استيعاب أيّ فكر سواء اقتنع به أم لا.  كما أنّه يعي أنّ إيمانه يعنيه وحده بمعنى أنّه غير مسموح له أن يفرضه على الآخر.
الفكر الطّائفيّ، لا يتغذّى وينمو بذاته، وإنّما توجد عدّة عناصر وعوامل تساهم في تغذيته بل في تسريبه كالسّم في جسم الإنسان. وبالتّالي هذا السّم المعنوي يسهم في امّحاء العقل فيمنعه من التّطوّر ويحدّه ضمن منهج عنصريّ وتعصّبي، كما أنّه يجعله منقاداً إلى قائد أعلى يوجّهه كما يشاء ويبرمجه وفق مصالحه ومآربه. كما أنّه يدفع الإنسان أن يسلك بردّات فعل غرائزيّة، لا يقضي بها العقل ولا تديرها الحكمة.
بالمقابل يقلّص الفكر الطّائفي من  قدرة القلب على المحبّة فيعزّز النّقمة والحقد، فلا يمكّن الإنسان من تخطّي الماضي المضطرب للانفتاح على المستقبل.
ثمة عناصر أساسيّة تغذّي الذّهنيّة الطّائفيّة:
1- رجال الدّين:
مع كل الاحترام لما يمثّله رجل الدّين، ولسنا بصدد التّعميم وإنّما تخصيص رجال الدّين الّذين يشكّلون العامل الأساس والأوّل في تغذية الذّهنيّة الطّائفية. ولنعترف بسيطرتهم على بعض العقول وإثارة الغرائز واستفزاز النّاس.
ولعلّ دور رجل الدّين في هذا الصّدد هو الأخطر إذ إنّه يتحدّث باسم الله ثمّ يحثّ النّاس على الدّفاع عن الله. دور رجل الدّين، هو خدمة النّاس روحيّاً ليساعدهم على الارتقاء والسّموّ بقيم وفضائل إنسانيّة، وليس دوره تحريض النّاس على الاقتتال، أيّا كانت الأسباب.
وإن كان دوره يقتصر على التّربية الدّينيّة وحسب، فالأولى أن يربّي على المحبّة والتّآخي. وإن صدر خطأ ما من طرف ما فليستخدم الحكمة والعقل ليجمع وليس ليبدّد. ونرى بعض رجال الدّين يشحنون النّاس ويطرحون مفاهيمهم بعنف ويفرضون أنفسهم كقادة ومناضلين مدافعين عن الحقّ. ويحصرون الدّين في الطّائفة، ويختزلون المفاهيم الدّينيّة في وجهة نظرهم، ويلقّنونها للنّاس على أنّها الإيمان الحقّ، وكلّ ما سوى ذلك ضلال وتضليل.
إنّ التّمسّك بالدّين وأصوله لا يعني التّشدّد والتّعصّب، والالتزام الدّينيّ لا يفترض التّعجرف واعتبار الآخر والمختلف درجة ثانية، أو حتّى ممنوع عليه التّعبير عن مفاهيمه.
إذا كانت نشأة الطّوائف نتيجة لأزمة، فلنحوّلها إلى عامل إيجابيّ ولنجعلها عائلة صغيرة ضمن العائلة الكبيرة. وليحافظ كلّ فرد على مفاهيمه وعقائده دون السّعي لمنع الآخر من حقّه في استيعاب الدّين وفق نموه الفكري. فالإيمان ليس محصوراً بالدّين لأنّ الإيمان علاقة شخصيّة وخاصّة مع اللّه وأمّا الدّين فهو وسيلة وسبيل.
ليست المشكلة في الدّين بل المشكلة في احتسابه يشكّل قيمة للإنسان، كما أنّه ليست المشكلة في الطّائفة المنبثقة عن الدّين بل تكمن المشكلة في ما ينتج عن التّمسّك الأعمى بها والتّحجّر العقليّ والفكريّ الّذي يحدّد الإنسان في جهل مقيت.
الدّين ليس تجارة لكي يستخدمها رجل الدّين بما يتناسب ومصالحه ومصالح من ينتمي إليهم. وليس الدّين سجناً نعتقل فيه النّاس ونسوقهم باتّجاه واحد بحجّة الحقّ. كما أنّه لا يجوز استخدام الدّين كدعاية لنصل إلى الحكم ونفرض ما نسمّيه الحقّ على الآخر ونفرز النّاس بين مؤمنين وغير مؤمنين.
بالمقابل، إنّ رجل الدّين ليس إلهاً، ويخضع للنّقص والضّعف البشريّ، وبالتّالي لا بدّ من مناقشته إذا ما عبّر عن فكر ملتبس. ولا بدّ أن نردعه في حال أساء للمفاهيم الإنسانيّة. ولا يجوز الانسياق خلفه لمجرّد أنّه رجل دين، فلا بدّ أنّه يخطئ في مكان ما، ولا بدّ أنّه يبحث عن الحقيقة كأي إنسان آخر. بالمقابل، وإذا  كان رجل الدّين يعتبر نفسه قائداً روحيّاً أو مرشداً روحيّاً وجب عليه أن يلتزم بالقيم الأخلاقية الّتي أهمّها يتجلّى في نقاء الضّمير، كي لا يجنح إلى السّكوت عن الحقّ من أجل الحفاظ على المصلحة الشّخصيّة.
إنّ نقاء الضّمير يدفع الإنسان إلى وزن الأمور والاعتراض على ما يسيء إلى الكرامة الإنسانيّة، فيشجب كلّ استهانة بحقّ الإنسان وكرامته. كما يجعله ملتزماً باحترام أيّ إنسان وإلى أي جماعة انتمى، فرجل الدّين وإن كان على رأس جماعة تخصّه، إلّا أنّه يقع على عاتقه عامل التّربية الرّوحيّة الّتي تؤسّس لعيش الشّركة مع الآخر، بغض النّظر عن انتمائه. فاليوم للأسف، فقد غالبية رجال الدّين ما نسمّيه اعتراض الضّمير، ولا نرى كثيرين منهم يتصرّفون بشجاعة وانفتاح وإنّما يزيدون من انغلاقهم ويرفعون وتيرة التّحريض، ولا يحرّكون ساكناً أمام المجازر الّتي تحصل بحقّ الإنسان. عندما يفقد رجل الدّين اعتراض الضّمير، يفقد معه حسّ المسؤوليّة تجاه دينه وجماعته. فمن يسكت عن الحقّ هو شخص غير موثوق به، فكيف له أن يقود جماعة ويرعاها، ويبيّن لها الحقّ من الباطل.
2- الإعلام الطّائفي:
إذا كان الإعلام بوسائله المرئيّة والمسموعة والمقروءة يشكّل سلطة رابعة، فوجب على هذه السّلطة أن تكون في خدمة الفكر الإنسانيّ، وليس في خدمة الطّوائف. ففي حين أنّه أصبح لكلّ طائفة قنوات وإذاعات وصحف، وكلّ منها يعبّر عن مفاهيمه إلّا أنّ قلّة فقط تطرح تلك المفاهيم برقيّ إنسانيّ، أمّا الغالبيّة فتبحث عن ثغرات بعضها البعض وتحطّ من قدر الآخر. كما أنّ الإعلام يطرح مواضيعه السّياسيّة والإخباريّة بشكل طائفيّ وعنصري، ممّا يثير غرائز النّاس ويدفعهم للحقد على بعضهم البعض، وهم في الأصل يمكنهم أن يتعايشوا. ناهيك عن أنّه بذلك يخدم مصالح أفراد كُلّفوا ببثّ الفتنة، ويستفيدون منها ليحقّقوا مكاسب شخصيّة ولا علاقة لهم لا بنشر المفاهيم الأصيلة ولا بطرح المفاهيم الإنسانيّة.
ما لم يكن هدف الإعلام نمو الإنسان فكريّاً ونفسيّاً وروحيّاً، فلا حاجة له. وإن وُجد فلِيكونَ وسيلة تعبير راقية عن الرّأي والرأي الآخر، وليس ليكون سلاحاً مدمّراً للفكر الإنسانيّ. إنّ الإعلام يبثّ النّعرات الطّائفيّة وتغذية الذّهنيّة الطّائفيّة، التي تسهم في تعطيل الفرد عن تفعيل إبداعه وتدفنه في مقابر النّزاعات والصّراعات الّتي لا هدف لها. فهذا الكم من الأشخاص المتسمّرين أمام شاشات التّلفزة أو على صفحات التّواصل الاجتماعيّ فقط ليجادلوا بعضهم البعض أو ليردّوا على بعضهم البعض بمستوى أقلّ ما يقال فيه مقيت وكريه، دون أي مبادرة للمصالحة أو للتّلاقي على أهداف بنّاءة، أو للبحث الجدّيّ في حلّ أزمة ما، يسهمون في انحدار الفكر واتّزان النّفس وتلاشي قوّة الرّوح. وطالما أنّ الجدال محصور بالتّناحر والشّتائم فهذا لا يعبّر إلّا عن انحطاط فكريّ وأخلاقيّ، كما أنّه يعبّر عن التزام هشّ بالدّفاع عن الطّائفة والدّين لمجرّد الانتماء إليه، كما يعبّر عن إيمان فارغ وغير يقينيّ، لأنّه ما من إيمان حقيقيّ بالله إلّا من خلال احترام الذّات أوّلاً واحترام الآخر ثانياً.
إنّ هذا الإعلام الموجّه والّذي عماده الإعلان وجذب أكبر عدد من المشاهدين أو القرّاء أو المستمعين، ليس سوى مستودعٍ لبيع كرامة الإنسان وفكر الإنسان مقابل مبالغ طائلة. فيستحيل الإنسان آلة يمكن تحريكها وتوجيهها بما يناسب السّياسات والمصالح. وأخطر ما يفعله الإعلام اليوم والّذي هو بمثابة جريمة بحقّ الإنسان والإنسانيّة، مشاركته في تعزيز الضّغينة والحقد فيكون سلاحاً فعّالاً لتدمير ما تبقى من الإنسان.
3- الطّائفيّة السّياسيّة:
عندما يختلط الدّين بالسّياسة ويصبح في صراع سياسيّ على السّلطة وكسب المناصب وعندما ينحدر مستوى الدّين من مستوى الرّسالة الإنسانيّة إلى مستوى الدّعايات الانتخابيّة والمساجلات السّياسيّة، يتحوّل إلى سلاح  في أيادي السّياسيّين يستخدمونه في سبيل حشد المناصرين وبثّ روح الخوف من الآخر، ويوهمونهم بأنّه عدوّهم. وبالتّالي سيشعرون بأنّهم مغبونون ومظلومون فيتحضّرون نفسيّاً ومعنويّاً للتصدّي لهذا الخطر. يسوق هذا التّصدّي السّياسيّ الجالس في بيته أو في مكتبه يدير عمليّة التّحريض، ويترك أرض المعركة للأفراد، يتقاتلون ويتناحرون ويتنازعون على ما لا يفهمون ولا يعلمون، بحجّة الدّفاع عن حقوق الدّين والطّائفة. وهو يعي تماماً مدى تأثير خطابه الطّائفي على إثارة الضّغينة، ويدرك جيّداً أنّه كلّما ازدادت لهجته التّحريضيّة، تمكّن من السّيطرة على جماعته.
الطّائفية السّياسية هي احتكار الحقّ الطّائفي في سبيل المنصب والسّلطة لا أكثر ولا أقلّ. ولا تنمو الدّول وتتطوّر عندما تحفظ  حقّ الإنسان بحسب طائفته وإنّما بحسب كفاءته وقدرته على العطاء وخدمة المجتمع. ولا يُقيَّمُ الإنسان بحسب دينه أو طائفته وإنّما الإنسان قيمة بحدّ ذاته بغضّ النّظر عن دينيه أو انتمائه أو عقيدته. السّياسيّون المُنَصّبون للدّفاع عن الأديان والطّوائف هم أبعد ما يكون عن المفاهيم الأخلاقيّة والإنسانيّة، لأنّهم وبتحريضهم المقيت يدعون أبناء المجتمع الواحد والإخوة في المواطنيّة إلى الاقتتال والتّناحر. إمّا أن يحمل السّياسيّ همّ الوطن بجميع أفراده وإمّا فلنتخلَّ عنه ولتكن الثّورة عليه أوّلاً، لأنّه هو أوّل من يودي بالمجتمع إلى الهلاك.
السّياسة ليست كما يعرفها الجميع زعامة أو وراثة أو إقطاع أو مناصب وهي ليست محصورة لا بأحزاب ولا جمعيات ولا مؤسّسات. إنّ السّياسة بمفهومها الحقيقيّ والمغيّب هي إدارة شؤون الدّولة والوطن والمواطن. وأمّا اليوم فبات مفهوم السّياسة بعيداً كلّ البعد عن مفهوم السّياسة الرّاقي. إذ بات مفهومها، اللّعبة الأساسيّة للسّيطرة على الشّعوب، وتسييرهم وفق مصالح معيّنة وأهداف  خاصة تحكمها السّلطة ويستأثر بها المال.  والسّياسة، إن على المستوى العالمي أو المحلّي، فقدت قيمتها كخدمة للشعوب وباتت خططاً تحاك بعنايةٍ ودقّة وحرص لفرض سياسات عالميّة على الشّعوب من خلال منظّمات سرّيّة أو علنيّة، تهدف إلى السّيطرة المحكمة على كلّ ما لا يتوافق وأهدافها الإستراتيجية، والسّياسيّة، والماليّة .وما نشهده اليوم في مجتمعاتنا العربيّة خير دليل على أنّ السّياسات العالميّة هي الّتي تقودنا ونُساقُ خلفها، إمّا عن جهل وإمّا عن قناعة، وإمّا عن مصلحة وهذا الأخطر .
4- اعتبار الأقليّات مواطنين درجة ثانية:
الأقليّة هي جماعة تربطها أواصر اللّغة والدّين والقرابة، وتعيش وسط شعب يفوقها عدداً، إلّا أن هذا لا يعني تجريدها من مواطنيّتها ومن حقّها في الأرض الّتي تعيش فيها.  كما أنّه لا يعني استغلالها في سبيل الحصول على مراكز ومناصب سياسيّة بحجّة الحماية من الآخر. ولطالما كانت الأقليّات في مجتمعنا العربي مهدورة الحقوق، ومضّطهدة  مع عدم السّماح لها بممارسة حرّيّتها الدّينيّة والفكريّة إلّا في بعض الدّول العربيّة. واليوم تشهد هذه الأقليّات اضطّهاداً عنيفاً من جماعات تعدّ نفسها أكثريّة  بل مجموعة لصوص ومرتزقة أوكلوا بنهب وتشريد وقتل هذه الأقليّات، لمجرّد أنّها أقليّات. مع العلم أنّ هذه الأقليّات لها مساهمة مباشرة في بناء الوطن من حيث التّعليم والصّناعة والتّجارة والزّراعة، ولها حقّ كأيّ مواطن في أن تمارس حرّيّتها الشّخصيّة طالما أنّها لا تؤثّر سلبيّاً على السّلم الأهليّ والعلاقات بين المواطنين. ولماذا تعتبر أقليّات، ولا تحمل صفة المواطنيّة؟ إلّا أنّنا في مجتمعات ترتكز على الفكر العنصري والطّائفي كيما تبقى متحكّمة برقاب النّاس. السّياسة الطّائفيّة والمذهبيّة الّتي تزيد من تعالي الأكثريّة واحتقارها للأقليّة، تغذّي منطق التّفرقة، وتخلق في النّفوس مساحة للحقد والنّبذ والخوف، وتحضّر أجيالاً حاقدة. وهذه الأجيال، إمّا يتمّ استخدامها في الحروب بحجّة المطالبة بالحقوق، أو بحجّة الدّفاع عن النّفس، أو يتمّ طردها ونهبها وتشريدها وقتلها بحجّة التّكفير. وبذلك تبسط السّياسات نفوذها وتحقّق مرادها.
يجب إلغاء كلمة "أقليّة" من قاموس الوطن والمواطنيّة، والالتزام بكفاءة الإنسان وقيمته الفكريّة والإبداعيّة، واعتباره فرداً يساهم في بناء الجماعة والوطن. ولكن طالما أنّنا تعيش في ظلّ دول طائفيّة لن نتمكّن من بلوغ هذا الهدف، وأقليّة اليوم ربما تصير أكثريّة الغد، ويستمرّ القتال وتستمرّ النّزاعات.  
الذّهنيّة الطائفيّة داء خطير ينتشر كالسّرطان في خلايا مجتمعاتنا وكي نتخلّص من هذا المرض وكي نشفى منه علينا بحرقه وكيّه، ولنخلق فكراً جديداً وإنسانيّاً بحتاً.  ليحافظ كلّ منّا على مفاهيمه وليفصلها عن حبّ الوطن، فالأوطان لا تبنى بذهنيات قبليّة بل باحترام حقّ الفرد وحرّيّته، وبتفعيل قدراته وإبداعاته. ونردّد مع جبران خليل جبران الّنبي: "الويل لأمّة كثرت فيها طوائفها وقلّ فيها الدّين". بل الويل لأمّة استخدمت دينها في سبيل اقتتال أبناء الوطن الواحد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق